محمد جمال الدين القاسمي

178

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

تنبيه : لا يخفى أن قوله تعالى : قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ إلى هنا ، مقدمة لجواب سؤالهما عن تعبير رؤياهما ، مهد ، عليه السلام ، بها له ليدعوهما إلى التوحيد ، ليزدادا علما بعظم شأنه ، وثقة بأمره ، توسلا بذلك إلى تحقيق ما يتوخاه من هدايتهما ، لا سيما وأن أحدهما ستعاجله منيته بالصلب ، فرجا أن يختم له بخير ، قال الزمخشري : لما استعبراه ووصفاه بالإحسان ، افترض ذلك ، فوصل به وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء ، وهو الإخبار بالغيب ، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام ، وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد ، ويعرض عليهما الإيمان ، ويزينه لهما ، ويقبح إليهما الشرك باللّه . وهذه طريقة ، على كل ذي علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة إذا استفتاه واحد منهم ، أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة الحسنة والنصيحة أولا ، ويدعوه إلى ما هو أولى به ، وأوجب عليه مما استفتي فيه ، ثم يفتيه بعد ذلك . وفيه ، أن العالم إذا جهلت منزلته في العلم ، فوصف نفسه بما هو بصدده - وغرضه أن يقتبس منه ، وينتفع به في الدين - لم يكن من باب التزكية . انتهى . وبعد تحقيق الحق ، ودعوتهما إليه ، وبيانه لهما مرتبة علمه ، شرع في تفسير ما استفسراه . ولكونه بحثا مغايرا لما سبق ، فصله عنه بتكرير الخطاب فقال : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 41 ] يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ( 41 ) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً أي يخرج من السجن ، ويعود إلى ما كان عليه من سقي سيده الخمر ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ أي فيقتل ويعلق على خشبة ، فتأكل الطير من لحم رأسه . قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ أي قطع وتم ما تستفتيان فيه . يعني : مآله ، وهو نجاة أحدهما ، وهلاك الآخر . والتعبير عنه ب ( الأمر ) ، وعن طلب تأويله ب ( الاستفتاء ) تهويلا لأمره ، وتفخيما لشأنه ، إذ الاستفتاء إنما يكون في النوازل المشكلة الحكم ، المبهمة الجواب ، وإيثار صيغة الاستقبال ، مع سبق استفتائهما في ذلك ، لما أنهما بصدده ، إلى أن يقضي عليه السلام من الجواب وطره .